القاضي عبد الجبار الهمذاني

154

تثبيت دلائل النبوة

ما من نصراني يتلو هذه الأناجيل في فرض من فروضه بلغة العبراني حيلة ومكيدة وفرارا من الفضيحة . فقال الناس لهم : انما وقع العدول عنها لما قصده أصحابكم الأولون من الادّغال في المقالات ، واحتيالا في تدليس ما وضعوه من الأكاذيب وسترا لما احتالوا طلبا للرئاسة ، وذلك ان العبرانية هم كانوا أهل الكتاب وأهل العلم في ذلك الزمان ، فغيّر هؤلاء النفر اللغة بل عدلوا عنها كلها لئلا يفهم أهل العلم مذهبهم وقصدهم لسترها فيفتضحوا قبل تمكن مذهبهم ولا يتم لهم . فعدلوا إلى لغات كثيرة ما تكلم المسيح وأصحابه بها ، وليس أهلها من أهل الكتاب ، ولا لهم علم بكتب اللّه وشرائعه ، كالروم والسريانيين والفرس والهند والأرمن وغيرهم من الأعاجم ، وتلبيسا واحتيالا لستر العورة وتمام البغية في طلب الرئاسة من أولئك القوم القليل الذين طلبوها بالدين . ولولا دلك للزموا لغة إبراهيم وولده والمسيح الذين بهم قامت البيّنة ، وعليهم أنزلت الكتب ، وكان ذلك أولى بإثبات الحجة على بني إسرائيل وكفرة اليهود إذا ادعوا بلسانهم ، ونوظروا بلغتهم التي لا يمكنهم دفعها . فاعرف هذا فإنه أصل كبير . واعلم رحمك اللّه ، ان هذه الطوائف الثلاث من النصارى لا تعتقد ان اللّه أنزل على المسيح إنجيلا ولا كتابا بوجه من الوجوه ، بل عندهم ان المسيح خلق الأنبياء وأنزل عليهم الكتب ، وارسل إليهم الملائكة . وانما معهم أربعة أناجيل لأربعة نفر ، كتب كل واحد منهم إنجيله في زمانه ، وجاء من بعده فما رضي إنجيل غيره ، وكان إنجيله أولى . وهم يتفقون في مواضع ويختلفون / في مواضع ، وفي بعضها ما ليس في بعض ، وهي حكايات قوم رجال ونساء من اليهود والروم وغيرهم انهم قالوا كذا ، وفعلوا كذا ، وفيها من المحال والباطل والسخف والكذب الظاهر والتناقض البيّن شيء كثير . وقد تتبعه